الجاحظ

24

رسائل الجاحظ

القرآن . ويستهلها بمقتطفات من رسالة تلقاها من شخص لم يذكر اسمه يسأله ان يكتب كتابا « يقصد فيه إلى حاجات النفوس وصلاح القلوب ومعتلجات الشكوك وخواطر الشبهات » ، ويبدو من كلام الجاحظ ان ذلك الشخص تواق إلى الحق ميال للانصاف ، راغب عن التقليد ، قاصد إلى محو الشكوك والشبهات من نفوس الناس حول مسألة خلق القرآن . ويخبرنا الجاحظ أنه الف كتابا في نظم القرآن ردا على الرسالة التي تلقاها احتج فيها للقرآن ورد على الرافضة والحديثيين والحشوية والنظام ومن جاء بعده « ممن يزعم أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة وانه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة » . ويفهم من هذا الكلام ان النظام والشيعة والحشوية يقولون إن نظم القرآن أو تأليفه ليس معجزة أو حجة على النبوة ، وان معجزته تكمن فيما انطوى عليه من معان واخبار بالغيب وانصراف الناس عن معارضته ، ولو أرادوا معارضته لأفلحوا . والجاحظ يخالف النظام ومن يذهب مذهبه ويقول إن تأليف القرآن أو بلاغته معجزة ولا يمكن معارضته . وقد بسط رأيه في كتاب حجج النبوة الذي ننشره مع مجموعة رسائل الجاحظ الكلامية . اما كتاب نظم القرآن فلم يصل إلينا مع الأسف . وكما انتقد الجاحظ النظام وفرقته انتقد بعض شيوخ المعتزلة الآخرين أمثال معمر بن عباد وأبي كلدة وعبد الحميد وثمامة بن أشرس لقولهم بأن القرآن مخلوق على المجاز لا على الحقيقة . ان هؤلاء المتكلمين تركوا أصول مذهبهم أو اغفلوها وعجزوا عن استخلاص النتائج الضرورية من المقدمات . وهذا لا يطعن في صحة أصول المعتزلة ولا يمكن أن نعزو خطأهم إلى أصل مقالتهم . فعلى أصل مقالتهم يجب ان يقولوا ان القرآن جسم من الأجسام ، والجسم لا يكون الا من جسم ومن مخترع الأجسام ولا يحدث الا اختيارا وابتداعا ، ويلزمهم ذلك القول بان القرآن مخلوق على الحقيقة . ولكنهم قالوا إن القرآن صوت وتقطيع ونظم وتأليف وليس جسما ، والصوت عرض يتولد عن علة موجبة ولا يحدث الا من جرمين كاصطكاك الحجرين وكقرع اللسان باطن الأسنان ومن هواء يضغط ، ولا يقوم بذاته . وما